ابن العربي
283
أحكام القرآن
من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اجتهادا أو بأمر على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . المسألة الثالثة - حقيقة التحريم المنع ؛ فكلّ من امتنع من شيء مع اعتقاده الامتناع منه فقد حرّمه ، وذلك يكون بأسباب ؛ إما بنذر كما فعل يعقوب في تحريم الإبل وألبانها ؛ وإما بيمين كما فعل النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم في العسل ، أو في جاريته ؛ فإن كان بنذر فإنّه غير منعقد في شرعنا . ولسنا نتحقّق كيفية تحريم يعقوب ؛ هل كان بنذر أو بيمين ؛ فإن كان بيمين فقد احلّ اللّه لنا اليمين بالكفارة أو بالاستثناء المتصل رخصة منه لنا ، ولم يكن ذلك لغيرنا من الأمم . فلو قال رجل : حرّمت الخبز على نفسي أو اللحم لم يحرم ولم ينعقد يمينا ؛ فإن قال : حرمت أهلي فقد اختلف العلماء فيه اختلافا كثيرا يأتي بيانه في موضعه إن شاء اللّه تعالى . والصحيح أنه يلزمه تحريم الأهل إذا ابتدأ بتحريمها كما يحرمها بالطلاق ، ولا يلزمه تحريم فيما عدا ذلك ؛ لقوله سبحانه « 1 » : لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا . الآية الرابعة عشرة - قوله تعالى « 2 » : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ . فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ، وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ، وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ . فيها ست مسائل : المسألة الأولى - أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قبل له « 3 » : أىّ المسجدين وضع في الأرض أول ؟ المسجد الحرام أو المسجد الأقصى ؟ قال : المسجد الحرام . وذكر أنه كان بينهما أربعون عاما ؛ وهذا ردّ على من يقول : كان في الأرض بيت قبله تحجّه الملائكة . المسألة الثانية - في بركته . قيل : ثواب الأعمال . وقيل : ثواب القاصد إليه . وقيل : أمن الوحش فيه . وقيل : عزوف النفس عن الدنايا عند رؤيته . والصحيح أنه مبارك من كلّ وجه من وجوه الدنيا والآخرة ، وذلك بجميعه موجود فيه .
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية : 90 ( 2 ) الآية السادسة والتسعون والسابعة والتسعون . ( 3 ) ابن كثير : 383